ابن تيميه
43
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فصل [ خلط المردود عليه بين زيارة القبور والسفر إليها ] قال : « فعند ذلك شرح اللّه صدري للجواب عما نقل فيه من مقالته ، وسارعت لإطفاء بدعته وضلالته . فأقول وباللّه التوفيق ، وأن يوصلنا إليه من أسهل طريق : لقد ضل صاحب هذه المقالة وأضلّ ، وركب طريق الجهالة واستقل ، وحاد في دعواه عن الحق وما جاد ، وجاهر بعداوة الأنبياء وأظهر لهم العناد ، فحرّم السفر لزيارة قبره وسائر القبور ، وخالف في ذلك الخبر الصحيح المأثور ، وهو ما ورد عنه صلى اللّه عليه وسلّم في الصحيح أنه قال : « زوروا القبور » « 1 » . وورد عنه أنه قال : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا » « 2 » . فرفع صلى اللّه عليه وسلّم الحرج عن المكلف بعد ما كان حظر . والمشهور أن الأمر بعد الحظر يقتضي الوجوب . وأقل درجاته أن يلحق بالمباح أو المندوب » . والجواب عن هذا من وجوه : الأول : أن في هذا من الجراءة على اللّه ورسوله وعلماء المسلمين أولهم وآخرهم ما يقتضي أن يعرف من قال هذه المقالة ما فيها من مخالفة دين الإسلام وتكذيب اللّه ورسوله ويستتاب منها ؛ فإن تاب وإلا ضرب عنقه . وذلك أنه ادّعى أنه من حرم السفر إلى غير المساجد الثلاثة ، أو حرم السفر لمجرد زيارة القبور فقد جاهر الأنبياء بالعداوة ، وأظهر لهم العناد ، فحرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور . ذكر ذلك بحرف الفاء وليس في كلام المجيب إلا حكاية القولين في السفر لمجرد زيارة القبور . فإذا قيل : إنه جاهر بالعداوة وأظهر العناد لأجل تحريم هذا السفر ؛ كان كل من حرّمه مجاهرا للأنبياء بالعداوة مظهرا لهم العناد ، ومعلوم أن مجاهرة الأنبياء بالعداوة
--> ( 1 ) جزء من حديث أخرجه مسلم ( 976 ) من حديث أبي هريرة . وأخرجه ابن ماجة ( 1569 ) بلفظ : « زوروا القبور ، فإنها تذكّركم الآخرة » . ( 2 ) أخرجه النسائي ( 4 / 89 ) من حديث بريدة بن الحصيب ، وفيه : « ونهيتكم عن زيارة القبور ، فمن أراد أن يزور فليزر ، ولا تقولوا هجرا » . وأصل الحديث عند مسلم ؛ انظر « أحكام الجنائز » ص 227 - ط . المعارف .